سر الصليب


الصليب في حياة المؤمن هو طريق عبور من الموت الى الحياة ومن الظلمة الى النور، شرط ان نقبل هذا الصليب بكل فرح.



في البدء خلق الله الانسان على صورته ومثاله (اي انه منحه كل الفضائل التي تؤهله للدخول الى الملكوت). ترك الله للانسان الحرية في الاختيار، امّا ان يطيع كلمة الله ولا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر، وبهذا يبقى بالقرب منه، أو أنه يعصي كلمة الله فيأكل من الشجرة وبهذا يُطرد من الجنة. إلا أن آدم وحواء أختارا عصيان كلمة الله لكثرة أنانيتهما وكبريائهما. فما كان نتيجة ذلك إلا طردهم من الملكوت واغلاق الباب. بهذا بدأت الخطيئة تنموا أكثر فأكثر...

حتى ارسل الله الآب ابنه الوحيد يسوع المسيح كي يخلصنا من الخطيئة ويعيد المصالحة بين الله والانسان وبين الانسان والانسان الآخ، وبين الانسان والطبيعة.

بعد مسيرة يسوع على الأرض التي اظهر من خلالها الى العالم وجه الله المحب، الشافي من الأمراض، خاتم الأحزان، مقيم الموتى..... مات صلباً وقام في اليوم الثالث.

فماذا يعلمنا الصليب اليوم؟

المحبة في الصليب:

"لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ." (يو 3: 16)

هكذا ارتضى الآب الذي احبكم كثيراً حتى بذل ابنه من اجل عبيده. تدل عبارة " احب الله العالم" على سعة المحبة. بالصليب تمت المصالحة بين الله والانسان.

 البذل في الصليب:

وعبارة " حتى بذل ابنه الوحيد" لها قوة كبيرة، قوة الربح الناتج من هذه الآلام وهو" لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية". الصليب هو ينبوع الحياة.

الالم في الصليب:

"وَقَالَ لِلْجَمِيعِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي، فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، وَيَتْبَعْنِي." (لو 9: 23)

طريق المؤمنين لا تفرِق عن طريق يسوع، هذه الطريق التي تقود من الآلام إلى المجد. الشرط لاتباع يسوع هو نكران النفس وحمل الصليب. انكار النفس يعني اماتت الأنا. هذه الانانية التي جاءت نتيجة ابتعاده عن الله والتي أضحت طبيعة له تبغي حب الظهور والتأكيد على النفس. وانكار النفس يرتبط بالآلام وبالصليب. نحن لا نفتخر بالتعذيب وباداة التعذيب. نعتز بالنصر الذي يعطيه السيّد لاحبائه.

 

الحياة في الصليب:

نحن لم نحصل على القيامة إلا بعد صلب يسوع وموته، ونحن نلنا الحياة منه، المسيح اعطاني الحياة وانا بدوري اعطي نفسي له وللآخرين. وان كنت انا أحيا للمسيح فلا علاقة لي بالخطيئة انها ميّتة بالنسبة لي. انفصالي الكامل عن الخطيئة يجعلني مصلوباً مع المسيح، وبالتالي كما انتصر المسيح على الشر وهو على الصليب ثم قام فانا أيضاً منتصر على الشر وحرّ منه.

الالتزام في الصليب: 

لا يكفي موقف داخلي امام يسوع بل مطلوب عمل يومي " وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ كُلَّ يَوْمٍ". ليس هناك ايمان من دون التزام. ان تتبع المسيح يعني ان تعيش بحسب الانجيل، ان ترفض كل ما لا يرضي الله، ان لا تتعلق بكل ما هو جسدي بل ان تكون مستعد في تسليمه للموت.

 

الانسان لا يستطيع ان يهرب من التجارب إما ان نقبلها او لا، ولكن ان رفضنا احتمالها نتحطم، نيأس ونخطئ. امّا اذا احتملنا التجارب بصبر وتواضع تعبر دون أذى. التجارب مفيدة للذي يحتملها وتصبح بلا فائدة ومؤذية للذي لا يتقبلها. تساعدنا الآلام على اكتشاف حقيقة حياتنا، وهذا ما يسمى التواضع.

"مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟" (رو 8: 35) .

كما أن  النار تنقي الذهب كذلك التجارب في حياة المؤمن تنقيه ليظهر إيمانه بالله. الشهداء والقديسون الذين اضطهدوا كان إيمانهم على المحك، لكنهم بقوة الصليب انتصروا على الآلام الوقتية لأن انظارهم كانت في ما يحمله الصليب من قيامة وفرح بعد تلك الآلام.

الصليب في حياة المؤمن هو طريق عبور من الموت الى الحياة ومن الظلمة الى النور، شرط ان نقبل هذا الصليب بكل فرح.

ان سر الصليب هوسر محبة الله.

 

المراجع:

         اناجيل الأحاد – دير مار مخايل – منشورات النور

         التعاليم الروحية – القديس دوروثاوس غزة

         الانجيل في الايقونة – زكية حداد